عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

84

قاب قوسين وملتقى الناموسين في معرفة سيد الكونين

عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال : « جلس ناس من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ينتظرونه فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون ، فسمع حديثهم . فقال بعضهم : عجبا إن اللّه اتّخذ من خلقه خليلا . وقال آخر : ماذا بأعجب من كلام موسى كلّمه اللّه تكليما . وقال آخر : « فعيسى كلمة اللّه وروحه » . وقال آخر : آدم اصطفاه اللّه فخرج عليهم فسلّم وقال صلى اللّه عليه وسلم : « سمعت كلامكم وعجبكم أن اللّه اتخذ إبراهيم خليلا وهو كذلك ، وموسى كلّم اللّه تكليما وهو كذلك ، وعيسى روح اللّه وهو كذلك ، وآدم اصطفاه اللّه وهو كذلك ، وأنا حبيب اللّه ولا فخر ، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر ، وأنا أوّل شافع وأوّل مشفّع ولا فخر ، وأنا أوّل من يحرّك حلق الجنة فينفتح لي فندخلها ومعي فقراء المؤمنين من أمتي ، وأنا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر » « 1 » . اعلم أن هذا حديث جامع مصرّح بكماله وأفضليته على كل الكملاء والفضلاء صلوات اللّه تعالى عليه وعليهم أجمعين ، وقد مضى بيان بعض علو مكانته ، وسأنبئك عن سرّ تخصيصه صلى اللّه عليه وسلم باسم الحبيب ؛ لتعلم أن المقام الحبّي أعلى المقامات الكماليّة . وذلك أنه ورد في الحديث عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال حاكيا عن اللّه تعالى : « كنت كنزا مخفيّا فأحببت أن أعرف فخلقت خلقا فتعرّفت إليهم فبي عرفوني » « 2 » .

--> ( 1 ) تقدم تخريجه بنحوه . ( 2 ) ذكره العجلوني في كشف الخفاء ( 2 / 173 ) . فائدة عظيمة : فإن الذات الأقدس منطو فيه نفائس جواهر الأسماء الذاتية التي هي عين ذاته الأقدس ، وكونه مطلسما : أي لا يطّلع عليه أحد إلا هو تعالى ، فإن من عادة الكنوز أن يوضع عليها أسماء روحانيين تسمّى بالطلسم ، حتى لا يطّلع عليها أحد ، ولا يظهر منها شيء ، إلا لمن كانت هي له ، والطلسم هو طل اسم . قال الشيخ : هو مقلوب مسلط ، ففي الكلام استعارة ، حيث شبّه ذاته الأقدس المنطوية على أسمائه -